أحمد بن علي القلقشندي
360
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
استوعب جميع الأشياء على الاستقصاء في كلمتين لم يخرج عنهما شيء ؛ وقوله * ( أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ ) * ( 1 ) فدخل تحت الأمن جميع المحبوبات لأنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر والموت وزوال النّعمة والجور وغير ذلك ؛ وقوله : * ( لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ) * ( 2 ) جمع منافع الدنيا والآخرة ؛ وقوله في صفة خمر أهل الجنة : * ( لا فِيها غَوْلٌ ولا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ) * ( 3 ) انتظم بقوله : * ( ولا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ) * عدم ذهاب العقل وذهاب المال ونفاد الشراب ، فلم يكن فيها شيء من ذلك ؛ وقوله : * ( خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) * ( 4 ) فجمع فيها مكارم الأخلاق بأسرها ، لأنّ في العفو صلة القاطعين ، وإعطاء المانعين ؛ وفي الأمر بالمعروف تقوى اللَّه تعالى ، وصلة الرحم ، وصون اللسان عن الكذب ، وغض الطَّرف عن المحرّمات ، والتبرّي من كل قبيح ، إذ لا يأمر بالمعروف من هو ملابس شيئا من المنكر ؛ إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى كثرة . ومن كلام النبوة قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « نيّة المرء خير من عمله » وقوله عليه السلام : « حبّك الشّيء يعمي ويصمّ » إلى غير ذلك من جوامع الكلم . الضرب الثاني الإطناب وهو الإشباع في القول ، وترديد الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد . وقد وقع منه الكثير في الكتاب العزيز ، مثل قوله تعالى : * ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * ( 5 ) وقوله جلّ وعزّ : * ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) * ( 6 )
--> ( 1 ) الأنعام / 82 . ( 2 ) الحج / 28 . ( 3 ) الصافات / 47 . ( 4 ) الأعراف / 199 . ( 5 ) التكاثر / 3 - 4 . ( 6 ) الشرح / 5 - 6 .